الخطيب الشربيني

185

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

يمسه سوء ، فإن قيل : لم قدم التعذيب في الذكر على الرحمة مع أنّ رحمته سابقة كما قال صلّى اللّه عليه وسلم عن الله تعالى : « سبقت رحمتي غضبي » « 1 » ؟ أجيب : بأنّ السابق ذكر الكفار فذكر العذاب لسبق ذكر مستحقه بحكم الإيعاد وعقبه بالرحمة ، فذكر الرحمة وقع تبعا لئلا يكون العذاب مذكورا وحده وهذا تحقيق قوله : « رحمتي سبقت غضبي » وَإِلَيْهِ وحده تُقْلَبُونَ أي : تردون بعد موتكم بأيسر سعي . وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ربكم عن إدراككم فِي الْأَرْضِ كيف انقلبتم في ظاهرها وباطنها واختلف في معنى قوله تعالى : وَلا فِي السَّماءِ لأنّ الخطاب مع الآدميين وهم ليسوا في السماء فقال الفراء معناه : ولا من في السماء بمعجز إن عصى كقول حسان بن ثابت رضى الله تعالى عنه « 2 » : فمن يهجو رسول الله منكم * ويمدحه وينصره سواء أراد ومن يمدحه وينصره فأضمر ( من ) يريد أنه لا يعجز أهل الأرض من في الأرض ولا أهل السماء من في السماء فالمعنى أنّ من في السماء عطف بتقدير إن يعصى وقال الفراء : وهذا من غوامض العربية ، وقال قطرب : وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء لو كنتم فيها كقول القائل : ما يفوتني فلان هنا ولا في البصرة أي : ولا في البصرة لو كان بها وكقوله تعالى : إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الرحمن : 33 ] أي : على تقدير إن تكونوا فيها . وقال ابن عادل : وأبعد من ذلك من قدر موصولين محذوفين ، أي : وما أنتم بمعجزين من في الأرض من الجنّ والأنس ولا من في السماء من الملائكة فكيف تعجزون خالقهما ، وعلى قول الجمهور يكون المفعول محذوفا أي : وما أنتم بمعجزين أي : فائتين ما يريد الله تعالى ، وقال البقاعي : ويمكن أن يكون له نظر إلى قصة نمروذ وبنائه الصرح الذي أراد به التوصل إلى السماء لا سيما والآيات مكتنفة بقصة إبراهيم عليه السّلام من قبلها ومن بعدها . ولما أخبرهم بأنهم مقدور عليهم وكان ربما يتوهم أن غيرهم ينصرهم صرح بنفيه في قوله تعالى وَما لَكُمْ أي : أجمعين وأشار إلى سفول رتبة كل من سواه بقوله تعالى : مِنْ دُونِ اللَّهِ أي : غيره وأكد النفي بإثبات الجار بقوله مِنْ وَلِيٍّ أي : قريب يحميكم لأجل القرابة وَلا نَصِيرٍ ينصركم من عذابه . ولما بين الأصلين التوحيد والإعادة وقررهما بالبرهان هدد كل من خالفه على سبيل التفصيل بقوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أي : ستروا ما أظهرت لهم أنوار العقول بِآياتِ اللَّهِ أي : بسبب دلائل الملك الأعظم المرئية والمسموعة التي لا أوضح منها وَلِقائِهِ بالبعث بعد الموت الذي أخبر به وأقام الدليل عليه أُولئِكَ أي : البعداء البغضاء يَئِسُوا أي : متحققين يأسهم من الآن بل من الأزل لأنهم لم يرجوا لقاء الله يوما ولا قال قائل منهم : ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في التوحيد حديث 7553 ، ومسلم في التوبة حديث 2751 . ( 2 ) البيت من الوافر ، وهو لحسان بن ثابت في ديوانه ص 76 ، وتذكرة النحاة ص 70 ، والدرر 1 / 296 ، ومغني اللبيب ص 625 ، والمقتضب 2 / 137 ، وبلا نسبة في شرح الأشموني ص 82 ، وهمع الهوامع 1 / 88 .